إن الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } النساء1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً {70 } يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [الأحزاب71،70 ]
في الوقت الذي يتنافس فيه كثير من المسلمين عامة ومن شبابنا خاصة للبحث عن وظيفة، تبقى هذه الوظيفة تحتاج إلى الصادقين المخلصين الذين يحرصون على شرف الانتساب إليها إنها أشرف وظيفة على وجه الأرض ولم لا ؟ وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين ، إنها وظيفة الدعوة إلى الله رب العالمين من أشرف من الدعاة ومن أفضل على ظهر الأرض ممن يبلغون عن الله ، قال تعالى : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت/33 ] .
من أحسن منه ومن أشرف منه ومن أكرم عند الله منه وهو السائر على درب الأنبياء والمرسلين ، ومع شرف هذه الوظيفة تخلى عنها الكثير من المسلمين والمسلمات ، فأنا أدين ربي – جل وعلا – بأن الدعوة العامة واجبة الآن على كل مسلم ومسلمة ، كل بحسب قدرته واستطاعته وإن كنت أرى أن الدعوى المتخصصة لها أهلها من العلماء العاملين والدعاة الربانيين وطلبة العلم الصادقين المخلصين ، فإنه لا ينفي أبداً أن يتحرك الآن لهذه الوظيفة الغالية كل مسلم ومسلمة ، فنحن لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنابر في المساجد ، وإنما نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على منبر الإسلام الكبير العظيم كل في موقع إنتاجه وموطن عطائه ، فما منا من أحد إلا وقد شهد للإسلام بلسانه مع إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي أن نشهد له شهادة عملية خلقية على أرض الواقع بعد ما شهدنا جميعا شهادة قولية بألستنا ، إذ إن الفعل إن خالف القول بذر بذور النفاق في القلوب كما قال ربنا سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [ الصف / 3،2 ] وقد دلت الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الدعوة إلى الله – جل وعلا – قال تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [آل عمران/110].
خيرية الأمة ليست ذاتية ولا عرقية ولا عصبية ولكنها خيرية مستمدة من الرسالة العظيمة والأمانة الثقيلة التي شرفت الأمة بحملها إلى الناس في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فلقد اصطفى الله من الخلق الأنبياء ، واصطفى من الأنبياء الرسل وشرفهم بالبلاغ عنه والدعوة إليه – جل وعلا – ثم مُن على أمة الحبيب المحبوب – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فجعل الرسالة والأمانة في أمته فورثها علماء أمته من بعده r أقصد الدعوة المتخصصة ، ولا أقصد الدعوة العامة ، فهي فرض عين على كل مسلم كما بينت كل بحسب قدرته واستطاعته ، أما الدعوة المتخصصة فلها أهلها كما بينت .
لكنني أود أن أحث كل مسلم ومسلمة بالمساهمة بقدر ما يملك لشغل هذه الوظيفة الشاغرة التي تحتاج الآن إلى عدد المسلمين على وجه الأرض ليتحرك كل أحد بما يملك ، إن لم يستطع بلسانه فبلسان غيره من أهل العلم الصادقين والدعاة الربانيين ، وبجزء من ماله يخصصه لدين الله ، أو بالمشاركة الوجدانية والبدنية والقلبية والقولية في العمل لدين الله – تبارك وتعالى – ولو بتكثير سواد المسلمين في الخطب والمحاضرات العامة ، لأن تكثيرك لسواد المسلمين في مثل هذه اللقاءات شهادة عملية منك لدين الله – تبارك وتعالى – تفريغك لولد من أولادك ليحفظ القرآن الكريم أو ليحفظ كتابا من كتب العلم أو متن من متون الفقه ، دليل عملي على ذلك وحبك لهذا الدين وهكذا .
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
أنت تقدر أن تقدم أي شيء وتستطيع أن تقدم لدين الله أي شيء فمن الخذلان والحرمان أن تستطيع أن تبذل لله شيئا ولكنك تتقاعس عن فعل هذا الشيء في الوقت الذي لا تدخر فيه جهدا ، بل ولا وقتا ولا عرقا من أجل دراسة جدوى لمشروع من مشاريع الدنيا أو لتجارة من تجارات الدنيا ، فدين الله أعلى من كل ذلك لا يحتاج فقط إلا أن تحمل قلباً حياً يحمل هذا الدين ويحترق لواقع الأمة المرير .
فوالله ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله ، فها نحن نرى دعاة الباطل ودعاة الكفر الآن يتحولون بكفرهم برجولة وبهمة عالية وبصدق وتفان في الوقت الذي نرى فيه هذه السلبية القاتلة في كثير من أفراد الأمة – ولا حول ولا قوة إلا بالله – فخيرية الأمة مستمدة من البلاغ من الأمر بالمعروف بمعروف ومن النهي عن المنكر بغير منكر ، ومن تحقيق الإيمان بالله – جل وعلا – بل وأمر الله سبحانه وتعالى – فقال : {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران104].
وأمر الله سيد الدعاة وإمام التقاة محمدا r بقوله : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ } هذا أمر من الله : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل / 125 ] وقد يظن البعض أن هذا الأمر خاص بالنبي r وحده كلا كلا ، بل لن تنال شرف الانتساب إلى المصطفى إلا إذا رفعت الراية التي رفعها وبلغت الدعوة التي أرسل بها على بصيرة التي علمنا إياها رسول الله r قال – جل وعلا لنبينا : {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } أنا وحدي لا {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف/108] .
قال ابن القيم : ولا يكون الرجل من أتباعه r حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي r {عَلَى بَصِيرَةٍ } لتنال شرف الانتساب إلى سيدنا رسول الله r ولا يكون الرجل من أتباعه r حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي r ، على بصيرة ، بل وتدبروا معي هذا التهديد والوعيد من الله – عز وجل – لمن ؟! لسيد الدعاة لحبيب الحق – تبارك وتعالى – للنبي محمد r يأمره الله أن
يقول : { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{22} إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} [الجن / 23،22 ] يا للرهبة .
تدبروا الآية أيها الأفاضل ، الله يأمر نبيه بأن يبلغ { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي حماية ووقاية وملجأ إلا أن أبلغ دين الله ورسالة الله – عز وجل – فالعمل بدين الله والبلاغ عن الله والدعوة إلى الله ليست نافلة ولا تطوعا ولا اختيارا بل إنه الواجب الذي لا مفر من أدائه فالله – جل وعلا – من ورائه .
أخي كم تحفظ من الآيات ، ألم أقل لك بأننا أصبنا بالسلبية القاتلة ، لأنه ما منا من مسلم إلا ويحفظ قدرا ليس باليسير من كتاب الملك الكبير لكنك متصور أن الدعوة وظيفة الأنبياء والعلماء من بعدهم فحسب ، بل هي وظيفتك ووظيفتك أيتها المسلمة ، كل بما منُ الله عليه من آيات الله ، أو من تطبيق لدين الله في دنيا البشر ليتحول دين الله لمنهج حياة هذه أعظم وأشرف .
مصيبة دعوتنا أننا نقف الآن حجر عثرة في طريق انتشار الإسلام في الأرض ، لأن أخلاقنا تكذب أقوالنا ، ولأن أعمالنا تكذب أقوالنا ، ولأن أقوالنا تكذب أعمالنا خالف القول العمل ، وخالف العمل القول وشعر كثير من أهل الأرض بنطاق عملي غرق فيه كثير من المسلمين ، فما انتشر الإسلام في كثير من بلدان الأرض إلا بأخلاق وصدق تجار المسلمين ، حولوا هذا الدين إلى واقع عملي ، وإلى منهج دعوا غير المسلمين بالأخلاق والسلوك بالصدق والإخلاص والوفاء والأمانة .
ما قيمة محاضرة رنانة نستهل فيها بآيات الله وبأحاديث رسول الله r إن لم نحول هذه الأدلة القرآنية والنبوية في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة ، بل قد نجح رسول الله r في أن يطبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج الإسلامي يوم أن نجح في تربية أصحابه على هذا المنهج ، إذ إنه لم يطبع هذا المنهج بالحبر على صحائف الأوراق وإنما طبع هذا المنهج على قلوب الصحابة بمداد من التقى والهدى والنور .
فانطلق الجيل القرآني الفريد المبارك ليحول قرآن الله ومنهج سيدنا رسول الله r إلى منهج عملي في دنيا الناس يتألق سموا وروعة وعظمة وحركة وجلالا وعملا وتشييدا وعمارة وجهادا ، بل وبناءً في كل ميادين الحياة .
هذه أشرف دعوة ، وهذا أصدق بلاغ عن الله ورسوله r ، ما قيمة أن يلتحي ابن من أبنائنا وأخ من إخواننا وهو يريد أن يدخل الالتزام إلى البيت ، ثم يراه بعد ذلك والده وتراه بعد ذلك والدته قد انفلت من كل خلق كريم لا يكلم أباه إلا وقد ارتفع صوته ، ولا ينظر إلى أمه إلا وقد حد الطرف إليها ، ولا يعامل إخوانه وأخواته إلا بسوء أدب وغلظة وفظاظة هل تتصور أن البيت سيعشق التزامك الظاهر الذي أنت عليه كلا كلا .
هل يتخلى عن هذه الوظيفة الشاغرة إلا مخذول أو محروم قد يبرر بعض إخواني لنفسه سلبيته ويستدل على ذلك بآية من كتاب الله ، وقد قلت قبل ذلك مرارا : إن المشكلة ما كانت في الدليل قط وإنما المشكلة دائما في فهم الدليل وتحقيق مناطات الدليل .
قد يستدل كثير من المسلمين على سلبيتهم بآية من كتاب الله فيقول : قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [المائدة/ 105] ولقد خشى الصديق أبو بكر – رضي الله عنه – هذه السلبية القاتلة من خلال الفهم المغلوط لهذه الآية الكريمة ، فارتقى الصديق المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله r يقول : (( إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يغمهم بعقاب منه ))
والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح بشواهده : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله r يقول : ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يغمهم بعقاب منه )) .
فغير المنكر يا أخي بغير منكر ومر بالمعروف بمعروف ، فما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه ، والشدة تفسد ولا تصلح ، والعنف يهدم دائما ولا يبني ومن أروع ما قال إمامنا ابن القيم – لله دره : إن النبي r قد شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله .. فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر من المنكر ، فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله ، ولقد كان النبي r هذا الكلام لابن القيم : وقد كان النبي r يرى في مكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها .
فقد يرد شاب من شبابنا المخلص المتحمس ويقول : كان هذا في مرحلة الاستضعاف في مكة ، ولكن تدبر أخي ولا تتعجل فالحماس وحده لا يكفي والإخلاص وحده لا يكفي، بل لا بد أن يكون الإخلاص والحماس منضبطين بضوابط الشرع بفهم دقيق ووعي عميق للأدلة ومراتبها ومناطاتها حتى لا نستدل بدليل دون تحقيق ، قال : بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام وعزم النبي r على هدم البيت الحرام ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل النبي ذلك مع قدرته على فعل ذلك ، لأن قريشا كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } النساء1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً {70 } يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [الأحزاب71،70 ]
في الوقت الذي يتنافس فيه كثير من المسلمين عامة ومن شبابنا خاصة للبحث عن وظيفة، تبقى هذه الوظيفة تحتاج إلى الصادقين المخلصين الذين يحرصون على شرف الانتساب إليها إنها أشرف وظيفة على وجه الأرض ولم لا ؟ وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين ، إنها وظيفة الدعوة إلى الله رب العالمين من أشرف من الدعاة ومن أفضل على ظهر الأرض ممن يبلغون عن الله ، قال تعالى : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت/33 ] .
من أحسن منه ومن أشرف منه ومن أكرم عند الله منه وهو السائر على درب الأنبياء والمرسلين ، ومع شرف هذه الوظيفة تخلى عنها الكثير من المسلمين والمسلمات ، فأنا أدين ربي – جل وعلا – بأن الدعوة العامة واجبة الآن على كل مسلم ومسلمة ، كل بحسب قدرته واستطاعته وإن كنت أرى أن الدعوى المتخصصة لها أهلها من العلماء العاملين والدعاة الربانيين وطلبة العلم الصادقين المخلصين ، فإنه لا ينفي أبداً أن يتحرك الآن لهذه الوظيفة الغالية كل مسلم ومسلمة ، فنحن لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنابر في المساجد ، وإنما نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على منبر الإسلام الكبير العظيم كل في موقع إنتاجه وموطن عطائه ، فما منا من أحد إلا وقد شهد للإسلام بلسانه مع إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي أن نشهد له شهادة عملية خلقية على أرض الواقع بعد ما شهدنا جميعا شهادة قولية بألستنا ، إذ إن الفعل إن خالف القول بذر بذور النفاق في القلوب كما قال ربنا سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [ الصف / 3،2 ] وقد دلت الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الدعوة إلى الله – جل وعلا – قال تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [آل عمران/110].
خيرية الأمة ليست ذاتية ولا عرقية ولا عصبية ولكنها خيرية مستمدة من الرسالة العظيمة والأمانة الثقيلة التي شرفت الأمة بحملها إلى الناس في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فلقد اصطفى الله من الخلق الأنبياء ، واصطفى من الأنبياء الرسل وشرفهم بالبلاغ عنه والدعوة إليه – جل وعلا – ثم مُن على أمة الحبيب المحبوب – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فجعل الرسالة والأمانة في أمته فورثها علماء أمته من بعده r أقصد الدعوة المتخصصة ، ولا أقصد الدعوة العامة ، فهي فرض عين على كل مسلم كما بينت كل بحسب قدرته واستطاعته ، أما الدعوة المتخصصة فلها أهلها كما بينت .
لكنني أود أن أحث كل مسلم ومسلمة بالمساهمة بقدر ما يملك لشغل هذه الوظيفة الشاغرة التي تحتاج الآن إلى عدد المسلمين على وجه الأرض ليتحرك كل أحد بما يملك ، إن لم يستطع بلسانه فبلسان غيره من أهل العلم الصادقين والدعاة الربانيين ، وبجزء من ماله يخصصه لدين الله ، أو بالمشاركة الوجدانية والبدنية والقلبية والقولية في العمل لدين الله – تبارك وتعالى – ولو بتكثير سواد المسلمين في الخطب والمحاضرات العامة ، لأن تكثيرك لسواد المسلمين في مثل هذه اللقاءات شهادة عملية منك لدين الله – تبارك وتعالى – تفريغك لولد من أولادك ليحفظ القرآن الكريم أو ليحفظ كتابا من كتب العلم أو متن من متون الفقه ، دليل عملي على ذلك وحبك لهذا الدين وهكذا .
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
أنت تقدر أن تقدم أي شيء وتستطيع أن تقدم لدين الله أي شيء فمن الخذلان والحرمان أن تستطيع أن تبذل لله شيئا ولكنك تتقاعس عن فعل هذا الشيء في الوقت الذي لا تدخر فيه جهدا ، بل ولا وقتا ولا عرقا من أجل دراسة جدوى لمشروع من مشاريع الدنيا أو لتجارة من تجارات الدنيا ، فدين الله أعلى من كل ذلك لا يحتاج فقط إلا أن تحمل قلباً حياً يحمل هذا الدين ويحترق لواقع الأمة المرير .
فوالله ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله ، فها نحن نرى دعاة الباطل ودعاة الكفر الآن يتحولون بكفرهم برجولة وبهمة عالية وبصدق وتفان في الوقت الذي نرى فيه هذه السلبية القاتلة في كثير من أفراد الأمة – ولا حول ولا قوة إلا بالله – فخيرية الأمة مستمدة من البلاغ من الأمر بالمعروف بمعروف ومن النهي عن المنكر بغير منكر ، ومن تحقيق الإيمان بالله – جل وعلا – بل وأمر الله سبحانه وتعالى – فقال : {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران104].
وأمر الله سيد الدعاة وإمام التقاة محمدا r بقوله : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ } هذا أمر من الله : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل / 125 ] وقد يظن البعض أن هذا الأمر خاص بالنبي r وحده كلا كلا ، بل لن تنال شرف الانتساب إلى المصطفى إلا إذا رفعت الراية التي رفعها وبلغت الدعوة التي أرسل بها على بصيرة التي علمنا إياها رسول الله r قال – جل وعلا لنبينا : {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } أنا وحدي لا {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف/108] .
قال ابن القيم : ولا يكون الرجل من أتباعه r حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي r {عَلَى بَصِيرَةٍ } لتنال شرف الانتساب إلى سيدنا رسول الله r ولا يكون الرجل من أتباعه r حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي r ، على بصيرة ، بل وتدبروا معي هذا التهديد والوعيد من الله – عز وجل – لمن ؟! لسيد الدعاة لحبيب الحق – تبارك وتعالى – للنبي محمد r يأمره الله أن
يقول : { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{22} إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} [الجن / 23،22 ] يا للرهبة .
تدبروا الآية أيها الأفاضل ، الله يأمر نبيه بأن يبلغ { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي حماية ووقاية وملجأ إلا أن أبلغ دين الله ورسالة الله – عز وجل – فالعمل بدين الله والبلاغ عن الله والدعوة إلى الله ليست نافلة ولا تطوعا ولا اختيارا بل إنه الواجب الذي لا مفر من أدائه فالله – جل وعلا – من ورائه .
أخي كم تحفظ من الآيات ، ألم أقل لك بأننا أصبنا بالسلبية القاتلة ، لأنه ما منا من مسلم إلا ويحفظ قدرا ليس باليسير من كتاب الملك الكبير لكنك متصور أن الدعوة وظيفة الأنبياء والعلماء من بعدهم فحسب ، بل هي وظيفتك ووظيفتك أيتها المسلمة ، كل بما منُ الله عليه من آيات الله ، أو من تطبيق لدين الله في دنيا البشر ليتحول دين الله لمنهج حياة هذه أعظم وأشرف .
مصيبة دعوتنا أننا نقف الآن حجر عثرة في طريق انتشار الإسلام في الأرض ، لأن أخلاقنا تكذب أقوالنا ، ولأن أعمالنا تكذب أقوالنا ، ولأن أقوالنا تكذب أعمالنا خالف القول العمل ، وخالف العمل القول وشعر كثير من أهل الأرض بنطاق عملي غرق فيه كثير من المسلمين ، فما انتشر الإسلام في كثير من بلدان الأرض إلا بأخلاق وصدق تجار المسلمين ، حولوا هذا الدين إلى واقع عملي ، وإلى منهج دعوا غير المسلمين بالأخلاق والسلوك بالصدق والإخلاص والوفاء والأمانة .
ما قيمة محاضرة رنانة نستهل فيها بآيات الله وبأحاديث رسول الله r إن لم نحول هذه الأدلة القرآنية والنبوية في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة ، بل قد نجح رسول الله r في أن يطبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج الإسلامي يوم أن نجح في تربية أصحابه على هذا المنهج ، إذ إنه لم يطبع هذا المنهج بالحبر على صحائف الأوراق وإنما طبع هذا المنهج على قلوب الصحابة بمداد من التقى والهدى والنور .
فانطلق الجيل القرآني الفريد المبارك ليحول قرآن الله ومنهج سيدنا رسول الله r إلى منهج عملي في دنيا الناس يتألق سموا وروعة وعظمة وحركة وجلالا وعملا وتشييدا وعمارة وجهادا ، بل وبناءً في كل ميادين الحياة .
هذه أشرف دعوة ، وهذا أصدق بلاغ عن الله ورسوله r ، ما قيمة أن يلتحي ابن من أبنائنا وأخ من إخواننا وهو يريد أن يدخل الالتزام إلى البيت ، ثم يراه بعد ذلك والده وتراه بعد ذلك والدته قد انفلت من كل خلق كريم لا يكلم أباه إلا وقد ارتفع صوته ، ولا ينظر إلى أمه إلا وقد حد الطرف إليها ، ولا يعامل إخوانه وأخواته إلا بسوء أدب وغلظة وفظاظة هل تتصور أن البيت سيعشق التزامك الظاهر الذي أنت عليه كلا كلا .
هل يتخلى عن هذه الوظيفة الشاغرة إلا مخذول أو محروم قد يبرر بعض إخواني لنفسه سلبيته ويستدل على ذلك بآية من كتاب الله ، وقد قلت قبل ذلك مرارا : إن المشكلة ما كانت في الدليل قط وإنما المشكلة دائما في فهم الدليل وتحقيق مناطات الدليل .
قد يستدل كثير من المسلمين على سلبيتهم بآية من كتاب الله فيقول : قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [المائدة/ 105] ولقد خشى الصديق أبو بكر – رضي الله عنه – هذه السلبية القاتلة من خلال الفهم المغلوط لهذه الآية الكريمة ، فارتقى الصديق المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله r يقول : (( إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يغمهم بعقاب منه ))
والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح بشواهده : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله r يقول : ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يغمهم بعقاب منه )) .
فغير المنكر يا أخي بغير منكر ومر بالمعروف بمعروف ، فما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه ، والشدة تفسد ولا تصلح ، والعنف يهدم دائما ولا يبني ومن أروع ما قال إمامنا ابن القيم – لله دره : إن النبي r قد شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله .. فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر من المنكر ، فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله ، ولقد كان النبي r هذا الكلام لابن القيم : وقد كان النبي r يرى في مكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها .
فقد يرد شاب من شبابنا المخلص المتحمس ويقول : كان هذا في مرحلة الاستضعاف في مكة ، ولكن تدبر أخي ولا تتعجل فالحماس وحده لا يكفي والإخلاص وحده لا يكفي، بل لا بد أن يكون الإخلاص والحماس منضبطين بضوابط الشرع بفهم دقيق ووعي عميق للأدلة ومراتبها ومناطاتها حتى لا نستدل بدليل دون تحقيق ، قال : بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام وعزم النبي r على هدم البيت الحرام ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل النبي ذلك مع قدرته على فعل ذلك ، لأن قريشا كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام
من احدى خطب الشيخ محمد حسان

0 التعليقات:
إرسال تعليق